الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
259
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كفروا بالمعاد كليا ، فقد كان بين مشركي العرب فريق لا يؤمنون بالمعاد ، وفريق آخر يؤمنون بنوع من المعاد . الآية التالية تشير إلى مصيرهم يوم القيامة ، يوم يقفون بين يدي الله : ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق ، فيكون جوابهم أنهم يقسمون بأنه الحق : قالوا بلى وربنا . عندئذ : قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون لا شك أن " الوقوف بين يدي الله " لا يعني إن لله مكانا ، بل يعني الوقوف في ميدان الحساب للجزاء ، كما يقول بعض المفسرين ، أو أنه من باب المجاز ، مثل قول الإنسان عند أداء الصلاة أنه يقف بين يدي الله وفي حضرته . الآية التي بعدها فيها ، إشارة إلى خسران الذين ينكرون المعاد ، فتقول : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، إن المقصود بلقاء الله هو - كما قلنا من قبل - اللقاء المعنوي والإيمان الشهودي ( الشهود الباطني ) ، أو هو لقاء مشاهد يوم القيامة والحساب والجزاء . ثم تبين الآية أن هذا الإنكار لن يدوم ، بل سيستمر حتى قيام يوم القيامة ، حين يرون أنفسهم فجأة أمام مشاهده الرهيبة ، ويشهدون بأعينهم نتائج أعمالهم ، عندئذ ترتفع أصواتهم بالندم على ما قصروا في حق هذا اليوم : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها . و " الساعة " هي يوم القيامة ، و " بغتة " تعني فجأة وعلى حين غرة ، إذ تقوم القيامة دون أن يعلم بموعدها أحد سوى الله تعالى ، وسبب إطلاق " الساعة " على يوم القيامة إما لأن حساب الناس يجري سريعا فيها ، أو للإشارة إلى فجائية حدوث ذلك ، حيث ينتقل الناس بسرعة خاطفة من عالم البرزخ إلى عالم القيامة . و " التحسر " هو التأسف على شئ ، غير أن العرب عند تأثرهم الشديد يخاطبون " الحسرة " فيقولون : " يا حسرتنا " ، فكأنهم يجسدونها أمامهم ويخاطبونها .